أحمد زكي صفوت
55
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
فإنه يريد أن ينفعك وهو يضرك ؛ ولا تطلبها إلى رجل له عند قوم مأكلة ، فإنه يجعل حاجتك وقاء لحاجته » . ( الأمالي 2 : 190 ) 54 - خطبة المهدى ( توفى سنة 169 ه ) الحمد للّه الذي ارتضى الحمد لنفسه ، ورضى به من خلقه ، أحمده على آلائه « 1 » ، وأمجّده لبلائه « 2 » ، وأستعينه ، وأومن به ، وأتوكل عليه توكّل راض بقضائه ، وصابر لبلائه ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده المصطفى ، ونبيه المجتبى « 3 » ، ورسوله إلى خلقه وأمينه على وحيه ، أرسله بعد انقطاع الرجاء ، وطموس « 4 » العلم ، واقتراب من الساعة ، إلى أمة جاهلية ، مختلفة أمّيّة ، أهل عداوة وتضاغن ، وفرقة وتباين ، قد استهوتهم شياطينهم ، وغلب عليهم قرناؤهم « 5 » ، فاستشعروا الرّدى ، وسلكوا العمى ، يبشر من أطاعه بالجنة وكريم ثوابها ، ويندر من عصاه بالنار وأليم عقابها ، « لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ » . أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه ، فإن الاقتصار عليها سلامة ، والترك لها ندامة ، وأحثّكم على إجلال عظمته ، وتوقير كبريائه وقدرته ، والانتهاء إلى ما يقرّب من رحمته وينجّى من سخطه ، وينال به ما لديه ، من كريم الثواب ، وجزيل المآب ، فاجتنبوا ما خوّفكم اللّه من شديد العقاب ، وأليم العذاب ، ووعيد الحساب ، يوم توقفون بين يدي الجبّار ، وتعرضون فيه على النار « يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ؛ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ، لِكُلِّ امْرِئٍ
--> ( 1 ) نعمه ، والمفرد إلى كحمل وشمس ، وألو كشمس ، وإلى كعصا وإلى كرضا . ( 2 ) البلاء : يكون منحة ، ويكون محنة . ( 3 ) المحتار . ( 4 ) الدروس والإخاء . ( 5 ) القرين : المصاحب ، والشيطان : المقرون بالإنسان : لا يفارقه .